إخوان الصفاء

56

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

واعلم يا أخي بأنه لما كانت الصورة المقوّمة للأجسام الفلكية هي شدّة اليبوسة المتولّدة من شدّة الحرارة المتولّدة من شدّة سرعة الحركة ؛ وكانت الصورة المقوّمة للأجسام الأرضيّة اليبوسة المتولّدة من شدّة البرودة المتولّدة من شدّة السكون الذي هو ضدّ حركة الغليان ، صارت الأجسام الأرضيّة مشاكلة للفلكية في اليبوسة ، ومضادّة لها في الحركة ، ولما كانت حركتها حول المركز صار سكون هذه في المركز ، لأن المضادّ يفرّ من ضدّه إلى أبعد الأماكن ؛ وأبعد الأماكن من المحيط هو المركز . ولما كانت الصورة المقوّمة للماء والهواء هي الرطوبة المتولّدة من امتزاج الأجزاء المتحركة والساكنة ، وكانت الرطوبة مضادّة لليبوسة ، صار موضعها ما بين المحيط والمركز . ولما كانت الصورة المتمّمة لذات الماء هي كثيرة الأجزاء الغليظة الساكنة فيه ، صار الماء مشاكلا للأرض في البرودة ، وصار مركزه مما يلي مركزها . ولما كانت الصورة المتمّمة لذات الهواء كثيرة الأجزاء اللطيفة المتحركة ، صارت مشاكلة للنار في الحرارة ، وصار مركزها مما يلي مركزها . فقد بان يا أخي بهذا الشرح أن الأجسام بعضها مشاكل لبعض في طبيعة ما ، مضادّ في طبيعة أخرى . ومن أجل مضادّة طباعها تباينت مراكزها ؛ ومن أجل مشاكلتها تجاورت مراكزها . ولما ترتبت هذه الأجسام مراتبها ، صار كلّ واحد في مركزه الخاصّ به واقفا ، بلا مماسك ولا عمد ، لا ثقيلا ولا خفيفا . ولا تخرج من مواضعها إلّا بعارض قاهر لها ، فإذا خلت رجعت إلى موضعها الخاص بها ؛ فإن منعها مانع وقع التنازع بينهما ، فإن كان النزوع إلى ناحية المحيط يسمّى خفيفا ، وإن كان إلى ناحية مركز العالم يسمّى ثقيلا . ولما ترتبت الأكر وقف كلّ واحد من هذه الأركان في موضعه الخاصّ به ، محيطات بعضها ببعض ، مستديرات ، إلّا الماء فقد منعته العناية الإلهية والحكمة الربانية من الإحاطة بالأرض من جميع الجهات ، لأنه لو أحاطت كرة الماء بكرة الأرض من جميع